حسن حنفي

55

من العقيدة إلى الثورة

المضمون . ويمكن القيام بالصورة دون المضمون أو تمثل المضمون بصور أخرى . فالطقوس لا تمس جوهر الوحي . ومع ذلك يمكن ادراك دلالاتها وأخذ الدلالة وترك الأشياء الدالة . فالبعض منها رموز مثل رمى الجمرات والسعي بين الصفا والمروة . ويمكن ايجاد دلالاتها في التجربة البشرية فيما يتعلق بالذكريات ورغبة الانسان في زيارة الآثار والاطلال وأماكن المحبين ومنازل الشعراء وآثار المفكرين للرجوع بالذهن إلى الماضي وتذكر سير الابطال واسترجاع حياة المجاهدين . والسعي رمز للجهاد ، ورمى الجمرات رمز للنضال . كما يمكن اسقاطها كلية كما فعل الحكماء . ولكن العامة في حاجة إلى طقوس وشعائر واحتفالات ومواكب . والوحي أتى للجميع ، عامة وخاصة . وبسبب هذا الجانب اللاعقلى في صور العبادات رفض الفقهاء التعليل وأبطلوا القياس . ولكن يظل التعليل أساس الاحكام ويظل القياس أصلا من أصول التشريع . فليس كل ما في الشريعة مضادا للعقل بل إن الاحكام التي بها صلاح العباد أي كل ما يتعلق بالمعاملات يمكن فهمها بالعقل وادراك غايتها وقصدها . والشريعة في نهاية الامر وسيلة لا غاية ، وسيلة يحصل بها الانسان على فائدة ، ولكنها ليست الوسيلة الوحيدة . فالصيام مثلا وسيلة للاحساس بالآخرين جوعا وعطشا . ولكن يمكن للانسان أن يشعر بذلك دون الصيام وحده وذلك بالالتزام بقضايا الفقر ومشاكل الجماعة . وإذا كان الصيام نوعا من الراحة للبدن فإنه يمكن للانسان أن يخفف من طعامه وشرابه وقاية للبدن وحرصا على صحته . وإذا كان الصيام يدل على أن للانسان إرادة على بدنه وقدرة على التحكم في وظائفه العضوية فيمكن للانسان أن يمارس هذه الإرادة في مواقف اجتماعية في حالة حصار أو سجن أو فقر . وبنفس الطريقة إذا كانت الغاية من الصلاة هي الاطمئنان الداخلي وحضور الفكر اليومى والرجوع إلى الباطن لتعادل الكفة مع مشاغل اليومية فيمكن تحقيق هذه الغاية لا بالصلاة وحدها بل بالتفكر أو التأمل أو الاكتفاء بالفنون والآداب والعلوم . وإذا كانت الغاية من الصلاة الاحساس بالوقت ووقوع الافعال في الزمان والاحساس بالفور ، وبأن لكل لحظة فعلا والا لكان الفعل قضاء فإنه يمكن الحصول